حينما يصبح الرعب ترفيهاً.. السيرك بين انتهاك حقوق الحيوان وتهديد سلامة البشر

حينما يصبح الرعب ترفيهاً.. السيرك بين انتهاك حقوق الحيوان وتهديد سلامة البشر
استخدام الحيوانات المفترسة في السيرك

تعد العروض الحيوانية في السيرك، خصوصًا تلك التي تشمل الحيوانات المفترسة مثل الأسود والنمور، من الأنشطة التي تثير جدلًا واسعًا على المستويات الأخلاقية والحقوقية، قد يعتبر البعض أن هذه العروض تمثل جزءًا من التراث الثقافي والتاريخي للبعض، بينما يراها آخرون انتهاكًا صارخًا لحقوق الحيوان وتدميرًا لكرامته. 

وفي ظل تزايد الوعي البيئي وحقوق الحيوان في العقود الأخيرة، ازداد الاهتمام بالمطالبة بحظر هذه العروض لما تحمله من مخاطر على الحيوانات وعلى البشر أنفسهم، وهذه القضية تزداد أهمية مع كل حادثة تتعرض فيها حيوانات مفترسة للإساءة أو يتعرض فيها البشر للهجوم من قبل هذه الحيوانات بسبب ظروف الحياة القاسية التي تمر بها.

يعتبر استخدام الحيوانات المفترسة في عروض السيرك واحدة من الممارسات التي يتم الاحتجاج عليها بشكل كبير في العديد من البلدان.

ففي حادثة مأساوية وقعت مؤخرًا في مدينة طنطا بمحافظة الغربية في مصر، تعرض أحد العمال في السيرك لهجوم من أسد أثناء تقديمه عرضًا للجمهور في ثاني أيام عيد الفطر، مما أدى إلى إصابة العامل بجروح، وتم نقل المصاب إلى مستشفى طنطا الجامعي لتلقي العلاج، لكن الحادث كشف عن المخاطر الكبيرة التي يتعرض لها العاملون في السيرك والجمهور بسبب التعامل مع حيوانات مفترسة في بيئة غير مناسبة لها، هذا الحادث سلط الضوء مجددًا على القضايا الأخلاقية المتعلقة باستخدام الحيوانات في عروض السيرك.

مشكلات صحية متعددة

تستخدم الحيوانات المفترسة مثل الأسود والنمور في السيرك كوسيلة للترفيه، حيث يتم تدريبها على أداء حركات معينة تحت إشراف مدربين، وتُعرض هذه الحيوانات في بيئات مغلقة وغير طبيعية لها، حيث يتم تقييد حركتها في أقفاص ضيقة، وهو ما يؤدي إلى تدهور صحتها الجسدية والنفسية، ووفقًا لتقرير صادر عن "منظمة الرفق بالحيوان" (World Animal Protection)، فإن 96% من الحيوانات المستخدمة في العروض لا تتمتع بحياة طبيعية، حيث تعيش في ظروف قاسية تتمثل في قلة المساحة وعدم توفير بيئة مناسبة لاحتياجاتها البيولوجية، بالإضافة إلى ذلك، يُجبر الكثير من هذه الحيوانات على أداء العروض بالقوة والإكراه، وهو ما يتسبب في تعرضها لإجهاد بدني ونفسي مستمر.

لقد أثبتت الدراسات العلمية أن الظروف التي تحيا فيها الحيوانات المفترسة في السيرك يمكن أن تؤدي إلى مشكلات صحية متعددة، ففي دراسة أجرتها جامعة "شيكاغو" في عام 2015، تم رصد آثار تربية الحيوانات المفترسة في الأسر، حيث تبين أن 80% من الحيوانات البرية في السيرك تعاني من اضطرابات سلوكية مرتبطة بالضغط النفسي، مثل العدوانية والاكتئاب، وبالإضافة إلى ذلك، يؤدي تقييد حركة الحيوانات إلى تدهور حالتها الصحية، ويعرضها لخطر الإصابة بالعديد من الأمراض الجسدية مثل تآكل الأسنان والمفاصل، وهي مشكلات شائعة بين الحيوانات التي تُحتجز لفترات طويلة في السيرك.

تعتبر العروض الحيوانية في السيرك تهديدًا ليس فقط لصحة الحيوانات، ولكن أيضًا على سلامة البشر، فالحيوانات المفترسة التي يتم تدريبها وإجبارها على أداء العروض تحت ظروف قاسية قد تصبح عدوانية بسبب الإجهاد والإيذاء البدني، وعند حدوث حالات مثل الهجوم على العامل في السيرك في طنطا، يكون هناك خطر كبير على الجمهور أيضًا.

تشير التقارير إلى أن هناك العديد من الحوادث التي تعرض فيها الجمهور للعنف من قبل الحيوانات المفترسة في السيرك، ما يثير تساؤلات حول سلامة هذه العروض على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، تم توثيق أكثر من 50 حادثة تعرض فيها أفراد من الجمهور أو العاملين في السيرك للهجوم من قبل الحيوانات المفترسة في غضون العقدين الماضيين، مما يشير إلى أن هذه العروض تشكل خطرًا كبيرًا على السلامة العامة.

حظر استخدام الحيوانات البرية في العروض الترفيهية

ودفع التطور الحاصل في الوعي الحقوقي العالمي حول حقوق الحيوانات العديد من الحكومات والمنظمات غير الحكومية إلى الدعوة إلى إنهاء هذه العروض، فعلى سبيل المثال، في عام 2017، أصدرت "منظمة الرفق بالحيوان العالمية" تقريرًا أكدت فيه أن أكثر من 3000 حيوان مفترس يتم استخدامه في عروض السيرك حول العالم، وقد دعت المنظمة إلى وضع قوانين دولية تحظر استخدام الحيوانات البرية في العروض الترفيهية، وهو ما يعكس القلق المتزايد من الأضرار التي تلحق بالحيوانات بسبب هذه الممارسات. 

وفي السياق نفسه، أقر الاتحاد الأوروبي في 2019 ميثاقًا ملزمًا بحظر استخدام الحيوانات البرية في العروض الترفيهية، وذلك في إطار تعزيز حقوق الحيوان وحمايته من الاستغلال التجاري.

ورغم هذه الدعوات والتحركات القانونية، فإن العروض الحيوانية في السيرك لا تزال تمثل مصدر دخل مهماً للكثير من الشركات، فوفقًا لتقرير صادر عن "دائرة السياحة والترفيه" في مصر يُقدر أن أرباح السيرك في مصر تقدر بنحو 10 ملايين دولار سنويًا، وبالتالي، فإن حظر هذه العروض يثير تساؤلات اقتصادية تتعلق بتأثيره على هذه الصناعة التي تشغِّل العديد من العاملين في القطاع. ولكن في الوقت ذاته، فإن هذه الإيرادات تأتي على حساب حقوق الحيوان وسلامة البشر، وهو ما يوجب التفكير الجاد في إيجاد بدائل لهذه العروض.

تشير البيانات إلى أن هناك العديد من البدائل الترفيهية التي يمكن أن تحل محل العروض الحيوانية في السيرك، والتي تتيح للناس الاستمتاع بالترفيه دون الحاجة لاستغلال الحيوانات، وعلى سبيل المثال، في العديد من الدول الأوروبية، تم البدء في تنظيم عروض ترفيهية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والفنون البصرية بدلاً من استغلال الحيوانات.

ففي عام 2018، تم افتتاح أول سيرك رقمي في لندن، حيث تم استخدام الواقع الافتراضي والتكنولوجيا التفاعلية في العروض بدلاً من الحيوانات الحية، هذا النوع من العروض لقي استحسانًا كبيرًا من الجمهور، وأثبت أن الترفيه يمكن أن يكون ممتعًا دون إلحاق الضرر بالكائنات الحية.

بين الأخلاق والتجارة

حذّر الدكتور علاء الغندور، استشاري الصحة النفسية والعلاج السلوكي، من استمرار استخدام الحيوانات المفترسة في العروض الترفيهية، مؤكداً أن هذه الممارسات لا تهدد فقط سلامة الإنسان، بل تشكّل انتهاكاً واضحاً لحقوق الحيوان، وقال إن الطبيعة البيولوجية والسلوكية للحيوانات تجعلها كائنات غير قابلة للتنبؤ حتى في أيدي أكثر المدربين احترافاً، وهو ما أدى إلى حوادث مأساوية موثّقة في تاريخ السيرك.

وأوضح الغندور لـ"جسور بوست" أن التأثير النفسي لمثل هذه المشاهد يختلف من شخص لآخر، وخاصة بين فئات الجمهور التي تضم أطفالاً ونساءً ورجالاً، وأشار إلى أن بعض الأطفال قد يُصابون برعب دائم يتحول إلى فوبيا مزمنة، في حين قد يعاني آخرون من كوابيس واضطرابات طويلة الأمد، وتساءل عن جدوى تعريض الجمهور لمثل هذه المخاطر النفسية، في وقت يمكن فيه الاستعاضة عن العروض الخطرة بعروض آمنة باستخدام حيوانات أليفة مثل القطط والأرانب.

إثارة على حساب الرحمة

وانتقد الغندور منطق استخدام الحيوانات المفترسة لمجرد الإثارة، مشبهاً ذلك بأفلام الرعب التي لا تجذب سوى جمهور محدود، وشدّد على أن الحيوانات ليست أدوات للترفيه، بل كائنات لها حقوقها وكرامتها، مشيراً إلى الأساليب القاسية التي تُستخدم في تدريبها كالصراخ أو الجلد، والتي تمثل خرقاً واضحاً لمبادئ الرفق بالحيوان، واستشهد بحملات قادتها شخصيات مشهورة للمطالبة بوقف هذه الانتهاكات.

ولفت الغندور إلى أن هذه العروض تحوّلت إلى صناعة تجارية ضخمة لا تأبه لحقوق الحيوانات ولا لمشاعر الجمهور، منتقداً غياب الرقابة الفعالة رغم وجود قوانين لحماية الحيوان، وأكد أن هذه الصناعة تسعى فقط لزيادة عدد الزوار، دون أي اعتبار للجانب الأخلاقي أو النفسي، كما دعا إلى ضرورة وجود شركات تأمين لتعويض المتضررين نفسياً وجسدياً، مشيراً إلى تجربة لندن في هذا الصدد.

وطالب الغندور بوضع قوانين رادعة تحمي الإنسان والحيوان، داعياً الدولة والإعلام إلى الاضطلاع بدور أكبر في التوعية، وقال إن مسؤولية الرقابة الأخلاقية لا تقتصر على الجهات الرسمية، بل تشمل المجتمع بأكمله، مشيراً إلى أهمية أن يكون الجمهور أكثر وعياً في قراراته بشأن حضور هذه العروض.

انتهاك حقوق الحيوانات

من جانبه، أكد الإعلامي حسام الدين حسين لـ"جسور بوست" أن العالم يشهد توجهاً متزايداً نحو إنهاء استخدام الحيوانات المفترسة في السيرك، خصوصاً في أوروبا وبعض الدول الآسيوية، وأوضح أن هذا التحول يعكس وعياً متنامياً بأهمية احترام الطبيعة وحقوق الكائنات الحية.

وانتقد حسين الأساليب القاسية التي تتعرض لها الحيوانات خلال التدريب، من حرمان من الطعام والماء، إلى إجبارها على أداء حركات لا تنتمي لطبيعتها، وبيّن أن ارتفاع أسعار الغذاء فاقم من معاناة هذه الحيوانات، حيث يتم تقليل الكميات أو استبدالها بأطعمة رديئة، ما يؤثر سلباً على صحتها.

واستحضر الإعلامي المصري حوادث افتراس وقعت في السيرك، بما في ذلك حوادث طالت مدربين من عائلة الحلو الشهيرة رغم علاقتهم الطويلة بالحيوانات، وأشار إلى أن هذه الحوادث تكشف خطورة الاعتماد على الحيوان كوسيلة ترفيه، خاصة في ظل عدم القدرة على التنبؤ بانفعالاته.

تأثير سلبي على الأطفال

أعرب حسين عن قلقه من الأثر النفسي لهذه المشاهد على الأطفال، مؤكداً أنها تزرع مفاهيم خاطئة حول علاقة الإنسان بالحيوان، وتشوّه الصورة الطبيعية لهذه الكائنات، وأوضح أن هذه العروض تخلق انطباعات مشوّهة بدلاً من أن تعزز الرحمة والوعي.

دعا حسين إلى الاقتداء بتجربة "سيرك دو سوليه" العالمي، الذي يعتمد على الأداء البشري والإبداع الفني دون اللجوء إلى الحيوانات، ولفت إلى أن السيرك تطور من كونه مساحة هامشية تابعة للطبقات الفقيرة في عصور الثورة الصناعية، إلى شكل من أشكال الفن الراقي القائم على مهارات الإنسان فقط.

وعبّر الإعلامي المصري عن أسفه لغياب منظمات محلية في مصر تراقب أوضاع الحيوانات أو العاملين في السيرك، على عكس بعض الدول التي تضمن حقوق جميع الأطراف، وشدد على أهمية تأسيس كيانات مصرية تهتم بهذه الفئة وتضمن العدالة والكرامة للجميع، سواء كانوا بشراً أم حيوانات.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية